القائمة الرئيسية

الصفحات

الانسان لا يعيش مرة واحدة ..



ولدت في قرية صغيرة عشقت طبيعتها البكر البريئة
وفيها كانت نشأتي وصباي
 من جهة  يحدها مجرىً مائياً عذباً
  تنتشر على جانبيه أشجار التوت العتيقة والصفصاف
تليه مساحات زراعية شاسعة تمتد في الآفاق
ومن الجهة الاخرى
هي الوحيدة فيما حولها تلاصق مبانيها نهرالنيل العملاق قرب مصبه في البحر المتوسط
 بل تمتد في عمقه
وكان النيل قبل ان يصلها مفصولاً بقناطر تحجب عنا عذوبته اغلب اوقات السنة
لم ندر الى الآن أكان عذباً ام مالحاً ام بين بين
كنا نسميه البحر
وكان بيتنا يطل عليه
كنت عندما اصحو.. ارى انعكاس الشمس على سطحه يرسم ظلاً يتموج في سقف الغرفه,
كان له صوتا مميزاً .. يعرفه فقط من جاوروه لسنين 
في ضفته الاخرى حدائق غناء كان اريج زهورها يصلنا في  الربيع
كان بيتنا بالنسبة لي هو البحر
فنصف مساحته تقريباً  مفتوحة على الشاطيء
ألحقنا  بها حديقه صغيرة شيدناها في عمقه
وزرعناها ببراءة من يجرب الزراعة لأول مرة
كم سهرت فيها ونمت معلقاً في الهواء ,
تعلمت السباحة  كغيري قبل ان اتعلم الكلام،
عشت فرحة طفل يصيد اول سمكة في حياته بصنارته الصغيرة  ويجلس خلف امه لتشويها له
على موقد صنعه من الطين بنفسه وجمع وقوده من الحطب وقش الارز
كما جربت شعور من يصنع قارباً  من اخشاب قديمة
واذا به عند تدشينه يغرق كما غرقت " نورماندي 2 " في فيلم
ابن حميدو
♥♡♥
قريتي ..
كان اهلها طيبون بسطاء يجتمعون في الحب والكره على اشياء ثابتة،
ويختلفون فيما ندر ,
 يعرف بعضهم بعضا اسماً وشكلاً واهلاً
عرفت منذ أن وعيت على الدنيا
ان فلاناً بالنسبة لبعضهم شؤم ونحس وأنهم لا يستبشرون برؤيته
وقد ايدتهم في ذلك ملامح وجهه لا ادرِ كيف
نعم كان يقص شاربه على طريقة هتلر، وشفتاه مضمومتان وممتدتان الى الامام حذو انفه
لكن مالعيب في ذلك!
وما دخل الاشكال بالقلوب،
كانوا لا يذكرونه الا ساخرين متندرين
  ظلوا يتجنبونه حتى تجنبهم
 بل تجنب القرية بأكملها
وأصبح لا يجلس في مجالسها ولا يمشي في أسواقها
ولا يشارك أهلها  فرحاً او حزناً
كنت أرى ذلك الرجل كل ليلة يعتلي حماره ويذهب ليسهرفي قرية بعيدة عنا
وقد حملت عنه انطباعاً غير جيد..
لم يستقر.. 
فلم أكن احب أن تمر الاشياء الى عقلي بسهولة ..
وكيف لي ان أحكم على من لا أعرف
ولماذا أسير هكذا مع السائرين دون داع
ثم ماذا يعني أن فلاناً  شؤماً
كنت طفلاً  مازلت ولم أكن أدرك قيمة ما أفكر فيه
وكان الرجل في عمر والدي
مرت الايام ..
وكنت الى حد ما قد كبرت
ذات مرة
رأيت ذلك الرجل جالسا وحيدا تحت ظل شجرة
فذهبت وجلست الى جواره بعد ان القيت السلام,
وشعرت بعد ان تحدثنا سوياً انني اكلم طفل في براءته ..
كم هو طيب يضحك من قلبه لابسط الاشياء التي غالباً ما تضحك الصغار
رأيت وجهه يشع سماحة وطيبة لا وجه نحس وشؤم ,
كان النحس والشؤم في عقولهم هم ,
حكى لي بعض من ذكرياته
  وكيف تصرف حين سافر الى القاهرة لأول مرة
وكان في حديثه لا يترك همسه الا ويذكرها
كأن يقول  مثلاً ..قلت السلام عليكم فرد فلان وعليكم السلام
جلس .. فجلست
واشياء من هذا القبيل ،
 وكنت أرى زهوه الذي يحاول اخفائه حين يذكر شيئا فعله يظن انه كان بارعاً فيه ،
امتد بنا الوقت فأكملنا حديثنا مع كوبين من الشاي على حسابه في المقهى الوحيد في القرية..

أذكر ان أحدهم همس في أذني ألم تجد غير هذا لتجلس معه ؟؟
 ♥♡♥
حقا كان رجلا طيبا ..
لم ارى في شخصيته اوفي كلامه ما يشير الى خبث او شر ابداً 
لم يكن يستحق كلامهم عنه
 ظلموه فظلم نفسه وعاش وحيدا حتى بين اهله
رحمه الله واسكنه فسيح جناته . .
 الانسان  يعيش اكثر من مرة .. أو لا يعيش بالمرة.


تعليقات