القائمة الرئيسية

الصفحات




أتحدث عن قطار حقيقي 
عجلاته حديدية ،يسير على قضيبين وله محطات ..
لا يعيبه اختفاء ابوابه او تهشم نوافذه
 فهو قطار شبه مجاني
  تترك مقاعده بصماتها على ملابس من يحبونه ، وهو سريع كالسلاحف
ينطلق من الاسكندرية ليلاً ليصل القاهرة صباحاً ,
شرفت بركوبه ذات مرة لأدرك نهار العاصمة في أوله
كان ذلك قبل سنين طويلة
وأذكر اننا وصلنا مدينة طنطا بعد ساعات من انطلاقه
وقد انتظرنا في محطتها مايقرب من نصف ساعة  
..نزلت خلالها إلى الرصيف
كانت عقارب الساعة القديمة تشير الى وقت متأخر من الليل،
وكانت برودة الطقس تدلنا على نصف يناير الأخير,
شاهدت صبية صغار يدخنون السجائر في العراء ..
يقف بعيدا عنهم طفل لا يجاوز عمره الخامسة
 حافي القدمين ..
 رقيقه  مبتلة  كانت ملابسه, وكان يرتجف
اقتربت منه, ألبسته معطف كان معي فاستغرق فيه ..
  انه أحمد من القاهرة هارب من اهله ولا يرغب في العودة  ،
اوقفته عن سرد قصة زوجة الأب التي يحفظها عن ظهر قلب رداً على السؤال البديهي ..
أطلق القطار صافرته ايذاناً بالتحرك ..
ركض خلف رفاقه ليعتلوا أرفف الحقائب ويغطوا في النوم
في الأسفل يجلس" مخبر, وعسكري ومعهم شخص ثالث يده مقيدة في المقعد بإسورة حديدية"
الثلاثة بين اليقظة والنوم , لكنهم يعزفون سيمفونية واحدة متقطعة تدعو للدهشة !
كان مقعدي في الجهة المقابلة على اليسار
مر بعض الوقت ,
 استسلم أحمد لنداء الطبيعة وبال على نفسه 
فغسل وجه المخبر صاحب الشوارب الكبيرة لينتفض مفزوعا
ويجر الطفل من فوق الرف وينهال عليه بالصفعات والسباب
وكأنه ينتقم من ذئب بشري اغتصب زوجته الشريفة العفيفة الطاهرة  ،
حدث ذلك بسرعة هائلة لم تمكن احد من انقاذه ،
 هرب  أطفال السجائر إلى العربة الخلفية  ،
 أحمد كان يبكي ويرتجف,
أجلسته معي حتى هدأ
وبدا لي أنه اقتنع بوجوب العودة إلى البيت
ثم نام..

مر الوقت
وصلنا القاهرة
هنا محطة  رمسيس ,
أيقظته بصعوبة
هيا  أحمد  سنفطر ثم تخبرني أين تسكن ..
أحمد نسي ما اتفقنا عليه
وعاجلني بالصراخ وكأني أحاول خطفه
ليشاهدنا رجل بزي عسكري يبدو لواءاً في الجيش
كان في طريقه لقطاره المكيف !!
قال بصيغة الأمر وبصوت حازم مرتفع  اتركه
قلت سوف أوصله لأهله  قال اتركه ..فتركته
تركته لأنه كان يصرخ ..
أقصد أن الطفل هو من كان يصرخ ..
تركته بعد أن ودعته وودعت القطار ..

     قطار الصحافة الذي لم يعد ينقل الصحف القاهرية إلى المحافظات  .
                                                           

تعليقات

التنقل السريع